أبي منصور الماتريدي
229
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة . وقوله - عزّ وجل - : إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ . وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ . هذا لأن القميص إذا كان قد من قبل فهو إنما ينقد من دفعها إياه عن نفسها ، وإذا كان القميص مقدودا من دبر فهو إنما ينقد من جرها إياه إلى نفسها ، لا من دفعها إياه عن نفسها ؛ هذا هو الظاهر في العرف ؛ لذلك قال الشاهد : إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ كذا وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ . فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ . . . الآية ؛ استدل على أنه إنما تمزق من جرها إياه لا من دفعها عن نفسها « 1 » ، ففيه دلالة جواز العمل بالاجتهاد ؛ لأن القميص في الغالب لا يتمزق من دبر إلا عن جر « 2 » من وراء ، ولا من « 3 » قبل إلا عن دفع من قدام ، لذلك دل على ما ذكرنا ، والله أعلم . وإن كان يجوز أن يكون في الحقيقة على غير ذلك ، لكن نظر إلى الغالب . وقال أبو عوسجة : قوله : وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ ، أي : شقت ومزقت ، ومقدود : أي : مشقوق ، من دبر : أي : من خلف ، ومن قبل : أي : من قدام ، وهو مأخوذ من القبل ، من قبل المرأة . وقوله : وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ ولم يقل : سيدهما ؛ فهذا يدل على ما ذكرناه . لَدَى الْبابِ . أي : عند الباب ، وهو ظاهر ؛ أي : وجدا سيدها عند الباب .
--> - أولها قوله : لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ . وثانيها : قوله : لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ . والثالث : قوله : إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا مع أنه تعالى قال : وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً [ الفرقان : 63 ] . والرابع : قوله : ( المخلصين ) ، وفيه قراءتان : تارة باسم الفاعل ، وأخرى باسم المفعول ، وهذا يدل على أن الله تعالى - استخلصه لنفسه ، واصطفاه لحضرته ، وعلى كل وجه فإنه أدل الألفاظ على كونه منزها عما أضافوه إليه . وأما إقرار إبليس بطهارته فقوله : فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ ص : 82 ، 83 ] فهذا إقرار من إبليس بأنه ما أغواه وما أضله عن طريق الهدى . فثبت بهذه الدلائل أن يوسف - عليه الصلاة والسلام - برئ عما يقوله هؤلاء . ينظر اللباب ( 11 / 63 ، 64 ) . ( 1 ) في أ : نفسه . ( 2 ) في أ : دفع . ( 3 ) في أ : عن .